القاضي التنوخي

134

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فاستشاط ، وقال : لا ، ولا كرامة له ، ولا أربعة آلاف ألف ، ولا ثمانية آلاف ألف . وقال لي الفضل : ما دمت ترفّهه ، وتكرمه ، وتجلسه على الدسوت ، وتخدمه بنفسك وغلمانك ، كيف لا يتقاعد ؟ فقلت له : فتسلَّمه أنت إن شئت . فقال الخليفة [ 44 ب ] : خذه إليك . فأخذه ، وأرهقه ، وطالبه بعشرة آلاف ألف ، ودهقه « 1 » ، وضربه ، وهو لا ينحلّ بشيء . فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف ، فلم يستجب . فقنع منه بثلاثة آلاف ألف ، فلم يجب . فلما زاد عليه المكروه ، وخاف الفضل أن يتلف في العذاب ، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إيّاه ، رفق به ، وداراه ، وخلع عليه ، ورفّهه أيّاما . وقال له : كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم ، وقد قنعت بها منك ، فهاتها . فقال : ما ملكتها قط ، ولا بذلتها لمحمّد . فجاء الفضل إلى المأمون ، فاقتصّ عليه خبره معه ، في معاقبته ، ومطالبته أولا ، بالكلّ ، واقتصاره ثانيا ، وترفيهه له ، وإكرامه ، وقناعته منه بألفي ألف درهم ، وإقامته على أنّه لا مال له ، وإنكاره [ 40 ط ] أن يكون بذل ذلك ، وكنت حاضرا . فانقطع الحبل في يد المأمون ، وكاد يهمّ بالفضل .

--> « 1 » الدهق : آلة تعذيب تشتمل على خشبتين يضيق بهما على ساقي المعذب .